لكن في الوقت نفسه ، تغذي أساليب نضال واختيارات حزب العمال الكردستاني ، وكذا شخصية قائده المثير للجدل ، دعاوة الدولة التركية وتثير بعض "الإحراج " حتى في صفوف المدعمين لنضال الشعب الكردي .ومن الضروري إذن ، خوض نقاش سياسي حول حصيلة هذا الحزب.
الحركة القومية الكردية
أولا لا بد من تدقيق بعض المصطلحات التي سترد في هذا المقال، وفي مقدمتها الحركة القومية الكردية. هذه الأخيرة ، لا تقتصر على حزب العمال الكردستاني pkK ( حزب أوجلان السري ) وحده ، ولا على حزب ديمقراطية الشعب HADEP ( حزب قومي كردي علني بتركيا ) بل يتعلق الأمر بالنسبة لنا، بمجموع الحركات التي تناضل من أجل مطالب وحقوق الشعب الكردي ، سواء على الواجهة السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية ، الخ.. . فحزب العمال نفسه الذي يدعي تمثيل مجموع الحركة القومية، يعترف وإن ضمنيا بهذه التعددية داخل الحركة الكردية، لما دعا إلى "برلمان وطني " يشمل قوى كردية أخرى. عندما نتحدث عن الأحزاب السياسية للأمة الكردية ، يجب أن نضيف الأحزاب المرتبطة بالنظام التركي ، وكذا الإسلاميين ، خاصة وأنهم يشكلون أغلبية في المنطقة وأنهم سيحافظون على قوتهم بهذا القدر أو ذاك وحتى عبر تنظيم انتخابات "حرة " مع تأكيد هوية كردية بقدر ماهي إسلامي .
خارج أوساط الإسلاميين وحزب ديمقراطية الشعب ، هناك حزب الديمقراطية والسلم DBP ، الواجهة العلنية للحزب الاشتراكي الكردستاني KSP ( حزب سري بقيادة كمال بوركاي ) ، و حزب الجماهير الديمقراطي DKP ، بقيادة أحد الوزراء القدامى سبق أن جرى اعتقاله ومحاكمته من قبل الجيش سنة 1980 ، بعد أن أعلن صراحة عن هويته الكردية . ولابد من الإشارة هنا إلى إن حزب ديمقراطية الشعب يعتبر " التحالف مع هذه الأحزاب مسألة غير واردة " ( جريدة Ozgure politika الصادرة بيوم 5 يناير 1999 )، وهو ما يعني بلغته، احتكاره لتمثيلية الأكراد السياسية ورفضه قيام أحزاب سياسية مختلفة عنه.وبعبارة أخرى: " قد نتحالف مع أحزاب تركية ولكن ليس مع أحزاب كردية، لأننا نشكل الحزب الكردي الوحيد"
حزب ديمقراطية الشعب Hadep وحزب العمال الكردستاني
فيما يخص حزب ديمقراطية الشعب وعلاقاته مع حزب العمال الكردستاني ، يجب أن نؤكد بأن الأمر يتعلق لدينا بتشكيلتين مختلفتين ، وليس بزعم بعض التحاليل الاختزالية التي تعتبر hadep مجرد جناح علني لحزب العمال الكردستاني .ولا يجب أن ننسى بأن العديد من القادة أو التيارات أو المناضلين الذين ينتمون إلى حزب ديمقراطية الشعب ، أو إلى أشكال وجوده السابقة ( HEP و DEP اللذان حلتهما المحكمة الدستورية ) ، تعرضوا لنقذ لاذع بل ومتطرف من قبل قيادة حزب العمال الكردستاني .ومرات عديدة كانت تعلوا أصوات متنافرة من داخل hadep تنتقد كلها تقريبا الخط الذي يتبعه حزب العمال الكردستاني .وهنا يكتسي إذن هذا التمييز أهميته ، خاصة وأن العديد من التيارات ، التي ترفض نسج علاقات مع حزب العمال الكردستاني ، لا ترى مانعا في نسجها مع HADEP الذي تعتبره كإحدى المكونات الشرعية للنضال السياسي . وهذا التمييز حاضر لدى الناخبين . ويعتبر HADEP نفسه حزبا جماهيريا، أي حزبا قوميا يضم شرائح اجتماعية شديدة الاختلاف يغلب انسجامها على تناقضاتها باسم المصالح والحقوق القومية . لكن يجب أيضا أن نوضح بأن قاعدة HADEP الانتخابية تكتسي طابعا شعبيا
يستحيل فهم هذه العلاقة المعقدة إذا ما اكتفينا بتحاليل تبسيطية واختزالية ، حيث أنه وبغض النظر عن مسألة "الشرعية البرجوازية " لا يمكن اعتبار تحالف انتخابي مع HADEP تحالفا انتخابيا مع حزب العمال الكردستاني . هذا مع العلم أن الموقف من حزب العمال الكردستاني مسألة تتباين حولها وجهات النظر والمواقف، بل تتعارض داخل الحركة الاشتراكية .
وفيما يخصنا، كانت لدينا تحفظات كبيرة، ليس فقط إزاء " أساليب نضال " هذا الحزب، بل وأيضا إزاء توجهاته السياسية بشكل عام. لقد اشرنا مثلا إلى كون حزب العمال الكردستاني يشكل منظمة قومية عصبوية ذات أصول ستالينية، تسعى إلى حل مسألة ديمقراطية ( المسألة القومية ) بأساليب لا ديمقراطية ، وتمارس فضلا عن ذلك عبادة شخصية قائدها عبد الله أوجلان . كما ذكرنا أيضا بأن حزب العمال الكردستاني يسعى إلى احتكار تمثيلية الحركة القومية الكردية . وكتجسيد لهذا الخط ، يقوم بخنق كل نقاش في هذا الصدد – بما في ذلك الطرق الأكثر عنفا - : " إن حزب العمال لن يتردد في استعمال العنف الجسدي لحسم خلافاته السياسية مع اليسار التركي داخل الحركة القومية ، وكذا إزاء مناضليه بل وإزاء قطاعات شعبية معارضة له " ( أنبركور ، ماي 1990 ) . من خلال هذه المواقف إزاء الحركة الجماهيرية وإزاء التيارات الأخرى تتجلى بالخصوص أصوله الستالينية ( وقد شكلت محاكمات موسكو مرجعا لتبرير التصفية الجسدية للمعارضين ) .
انتقدنا أيضا أطروحاته القومية المتطرفة . بل وحتى الدينية ، التي تشكل دعامة دعاوته ، ونددنا بأساليب نضاله ، خصوصا عملياته العشوائية التي تطال المدنيين . وقتله للنساء والأطفال في القرى الكردية المؤيدة للحكومة التركية ( أنظر أساليب حزب العمال الكردستاني ملحق -1- ) . وقمنا بفضح انتهازية خطه السياسي خصوصا محاولاته لعقد مساومات مع الرئيس أوزال أو مع الإسلاميين عشية انتخابات 1991 . وعبرنا عن رفضنا لتحالفاته العالمية المشبوهة مع أنظمة أو تيارات لا تقل دكتاتورية عن نظام تركيا كإيران وسوريا أو اليمين المتطرف باليونان وروسيا ( إنبركور ، أبريل 1992 ) .
إن المسألة القومية في تركيا ، أي القضية الكردية هي في حد ذاتها مسألة معقدة وذات خصوصية ، ولا يمكن فهمها بإقامة مماثلات مع المسالة الجزائرية أو الفيتنامية . فإذا كانت المطالب القومية للشعب الكردي لا تقبل الجدل، فإنه من الخطأ الاعتقاد بوجود " حرب بين القوميات " في تركيا. فلا أحد من الأكراد أو من الأتراك يرى المسألة بهذا الشكل ، أو يعتبر الصراع قائما بين الجانبين . وهذه إشارة جديرة بالأهمية لكون نصف السكان الأكراد يعيشون في مدن غرب تركيا ، خارج منطقة الجنوب الشرقي ذات الغلبة الكردية ( أنظر السكان الأكراد في تركيا الملحق 2 ) ، وتربط بينهم أواصر الزواج ( ليس هناك تمييز بين الأكراد والأتراك على صعيد الدين ، ولا تبرز الاختلافات الإتنية في الهيئة أو المظهر الجسدي) وإذا كانت الدولة التركية لا تعترف بتاتا بحقوق الأكراد وبهويتهم الجماعية ، فهم يتمتعون مع ذلك بنفس حقوق الأتراك السياسية والمدنية ( أي أنهم يخضعون لنفس القيود القانونية اللاديمقراطية ؟ ) . وهو أمر مافتئت الدولة التركية تشير إليه في دعاوتها :( أكثر من ربع أعضاء البرلمان على سبيل المثال أكراد موزعين على مختلف أحزاب اليمين و " اليسار " أو داخل الجماعات الإسلامية ( . وبالمقابل ، تمارس الدولة التركية قمعا وحشيا إزاء الأكراد في منطقة الحرب ، وتنهج عمدا سياسية " الأرض المحروقة " ، و "ترحيل " السكان الأكراد بتدمير قراهم .
وبالتالي تكتسي المسألة الكردية مضمونا مختلفا في شرق البلاد عنه في غربها ( أنظر المسألة الكردية في الملحق في شرق تركيا وغربها لملحق 3 ) حيث يحتل القمع المرتبة الأولى في الشرق. في حين تحتلها المسألة الاجتماعية في الغرب . وهذا يعني أيضا أن " المسألة الكردية " ستستمر من البلد حتى في حال قيام "كردستان مستقلة " يوما ما اللهم في حالة القيام ب " تجانس " السكان عبر " تبادلهم " من كلا الطرفين (على الطريقة البلقانية في بداية هذا القرن ) ، أو الأسوأ من ذلك في حالة " تطهير عرقي " متبادل ( على الطريقة البوسنية أو القوقازية ) .
الحركة القومية الكردية والحركة الاشتراكية
تستمد العلاقات الحالية بين الحركة القومية الكردية والحركة الاشتراكية جذورها إلى حد كبير من فترة الستينات والسبعينات، أي من المرحلة التي سبقت الانقلاب العسكري لسنة 1980. كانت الحركات الستالينية المقربة لموسكو القوة المهيمنة آنذاك مع انغراس جماهيري في المنطقة الكردية ، فبل 1980 ، في حين لم يكن لمنظمة DEV YOL ( ذات الأغلبية الواسعة داخل الحركة الاشتراكية بباقي البلاد ) أي وجود يذكر بها . ولا بد من التذكير بأن عمدة مدينة ديار باكير DEYARBAKIR آنذاك هو المهدي زنا Mehdi zana ، مناضل في حزب KSP الذي قام "بحظر" أنشطة حزب العمال الكردستاني ( الذي كان يمثل أقلية ضئيلة آنذاك ) داخل هذه المنطقة ....كما لا يجب أن ننسى أن الحركة القومية الكردية نفسها تنحدر من الحركة الاشتراكية ، رغم تميزها عنها اليوم ، وأنها شهدت نفس الإنقاسامات السياسية والإيديولوجية ( مع صراعات داخلية عنيفة )
ينتج هذا التمايز اليوم عن كون الحركة القومية حصلت على دعم جماهيري يفوق ماحصلت عليه الحركة الاشتراكية التي بدأت بالكاد تستأنف نشاطها من جراء الضربات التي تلقتها من الديكتاتورية العسكرية . وبهذا لم يتقدم النقاش داخل الحركة الاشتراكية سوى قليلا.هناك إجمالا خطان كبيران مختلفان بصدد تقدير دينامية الحركة القومية ( يدعي البعض وهم – وهم في تناقص مستمر هذه السنوات الأخيرة – أنها دينامية ثورية ، بينما يعتبر البعض الآخر أن الأمر يتعلق فقط بإحدى المسائل الديمقراطية التي تستوجب التسوية ، وإن كانت بالطبع أهمها) ، وكذا طبيعة التحالفات مع الحركة القومية .
لكن بعد الانقلاب ، وبالضبط خلال انتخابات 1991 ، تجددت علاقة الحركة القومية بالحركة الاشتراكية . . وكانت للحزب العمالي IP(حزب ماوي مقرب من الصين ) ، الذي حصل على عدد أصوات متراوح بين 60 و 100 ألف على الصعيد الوطني ، علاقات جيدة مع حزب العمال الكردستاني في بداية التسعينات ، بل وأن زعيمه Perincele شارك في استعراض قوات حزب العمال الكردستاني العسكرية في منطقة البقاع إلى جانب أوجلان . لكن سينحاز هذا الحزب اليوم تماما إلى الدولة التركية معتبرا الحركة القومية الكردية مجرد " عميل الإمبريالية " وبأنه يجب الدفاع عن مكتسبات الاستقلال الوطني للدولة التركية في وجه العدوان الامبريالي " . أما حزب العمل EP ، وريث قدماء الماويين الألبان فقد قرر توسيع تنظيمه داخل المنطقة الكردية . كما اتخذ حزب السلطة الاشتراكية SIP ، الذي سبق أن تحالف مع HADEP في 1995 ، نفس القرار مؤخرا بالتنظيم داخل المنطقة الكردية .
أما داخل حزب الحرية والتضامن ODP ، وهو حزب قائم على التعددية السياسية ( يناضل داخله مناضلو الفرع التركي للأممية الرابعة ) ، فهناك وجهات النظر شديدة الاختلاف حول الموقف إزاء الحركة القومية ، علاوة طبعا على الخلافات المبدئية ( انظر مواقف ODP الملحق 4 ) مثل هذه الخلافات كانت موجودة من قبل في مرحلة BSP ( إحدى المكونات التي ستلتقي مع DEV YOL في حزب الحرية والتضامن ) وحتى قرار BSP بالاستنكاف عن توسيع التنظيم في المنطقة الكردية . كانت له دوافع جد متباينة من طرف مختلف مكوناته : فبعض المجموعات ( Kurtulus على سبيل المثال ) تعتبر أن كردستان بلد على حدة وبأنه ليس من حق تنظيمات اليسار التركي أن توجد فيه ( سنضيف مع ذلك أن هؤلاء الرفاق يعتبرون أيضا ، لنفس الأسباب لكن بشكل معكوس ، أن على الحركة الكردية أن تستنكف عن تنظيم نفسها في المنطقة التركية وبأن يكون هناك دعم متبادل لتشكيلتين خارج مناطقهما المباشرة خلال الانتخابات ) ولكن بالنسبة للبعض الآخر ، كانت لهذا القرار دوافع مرتبطة بالشروط السياسية الملموسة غير الناجعة ( حالة الحرب ، التقاطب بين الجيش وحزب العمال الكردستاني ، غياب فضاء وقوى سياسية ) .
بعد تشكيل حزب الحرية والتضامن،جرى تجنب هذا الموضوع الحساس مؤقتا لكن الحرية والتضامن نظم نفسه مع ذلك في بعض المقاطعات الكردية بطلب من مناضليه المحليين .وقرر المجلس العام للحزب ، خلال اجتماعه في يناير 1999 ، المشاركة في الانتخابات تحت رايته الخاصة بمجموع البلاد ، معتبرا أن هناك استثناءات محتملة في بعض المقاطعات ، ويمثل من لا يعتبر حزب الحرية والتضامن " حزبا تركيا " بل "حزب العمال الأتراك والأكراد "أغلبية واسعة في حزب الحرية والتضامن ، في حين تشكل التيارات التي تدعو إلى التخلي عن كل المنطقة الكردية لحزب HADEP أقلية . فهذا يعني ،حرمان اشتراكيي هذه المنطقة ( بما فيهم الأكراد ) الذين يسعون لتجاوز حدود الحركة القومية الكردية ، من أية إمكانية في التعبير ماداموا خارج HADEP . كما أن مطالبة الحركة القومية الكردية بالاستنكاف عن تنظيم نفسها في المنطقة التركية مخالفة للصواب ، مادام نصف سكان الأكراد يقطنون في المتروبولات الغربية لتركيا ( أي في " المنطقة التركية " ) .
لم يكن لهذه النقاشات وزن لحد الآن ، بسبب ضعف الحركة الاشتراكية . لكنها بدأت، بعد تعديل ميزان القوى بين الحركة القومية والحركة الاشتراكية، باستعادة أهميتها، حتى بالمنطق الانتخابي. فقد شاركت مكونات BSP ( لم يكن حزب الحرية والتضامن موجود آنذاك ) في انتخابات 1994 البلدية ( التي قاطعها القوميون الأكراد ومكونات الحركة الاشتراكية الأخرى ) باسم البديل الاشتراكي الموحد BSA ، مما جعلهم عرضة لانتقادات عنيفة واتهامهم " بالعمالة للقيادة العليا التركية " رغم أن البديل الاشتراكي الموحد حملته الانتخابية تركزت حول المسألة الكردية ... وخلال انتخابات 1995 التشريعية تحالف BSP مع الحركة القومية وقبل بتقديم مرشحيه الخاصين تحت راية HADEP على قاعدة ثلاث محاور : الشغل والسلم والحرية . لكن لم يضع HADEP عمليا في المقدمة سوى محور السلم وحده، وحصل على نسبة 42 في المائة على الصعيد الوطني. وفي المدن التي لا يوجد فيها HADEP أي تلك التي قام فيها BSP وحده بالحملة الانتخابية، حصلت اللائحة المشتركة على معدل 1 في المائة من الأصوات بينما في اسطنبول التي يبلغ عدد سكانها 9 ملايين ويمثل الأكراد حوالي الربع ، لم يحرز HADEP سوى على 2.5 في المائة رغم مساندة BSP له . أما بالنسبة للانتخابات المزمع تنظيمها في أبريل 1999، فمن المحتمل أن يحصل ODP على نسبة 3 في المائة و HADEP على 5 في المائة.
الحركة القومية ومرحلة " الدخولية " الانتخابية
صمدت الحركة القومية الكردية وواصلت نشاطها السياسي منذ 10 سنوات على نحو يكاد يستقل عن مخاطر الصدام بين الجيش وحزب العمال الكردستاني ( راجع في هذا الصدد " مراحل النضال " ملحق 5 ) .
كان بعض النواب الأكراد أعضاء في SHP الحزب الكمالي والاشتراكي الديمقراطي ( عضو بالأممية الاشتراكية ) عرضة للطرد من الحزب نظرا لمشاركتهم في المؤتمر الكردي المنعقد بباريس عام 1989 بمبادرة جمعية " فرنسا – الحريات ". عندها قام هؤلاء رفقة نقابيين أتراك من DISK ( الكنفدرالية النقابية لليسار ) بتأسيس حزب العمل الشعبي HEP ( السابق ل HADEP ). تفاوض هذا الحزب في البدء مع ANAP حزب تورغوت أوزال ( رئيس الجمهورية آنذاك )3 ثم شرع في تحالف انتخابي مع الإسلاميين ، لكن التحالف تحطم بسبب خلاف الحزبين حول لوائح النواب وتوزيعهم . آنذاك تحالف HEP مجددا مع SHP بالمشاركة في الانتخابات في لائحته عام 1991 . وفي غضون ذلك تحالف الإسلاميون من جهتهم مع فاشيي MHP . وخلال هذه الانتخابات تمكن SHP من مضاعفة جدية لأصواته ، لا سيما في المنطقة الكردية حيث اعتقد الناخبون أن هذا الحزب سيقوم بدور هام لطرح المسألة الكردية في البرلمان . هكذا جرى انتخاب 22 نائبا قوميا كرديا في لوائحه وصوتوا جميعا على منح الثقة لحكومة ديمريل / اينونو ( تحالف بين اليمين المحافظ والاشتراكيين الديمقراطيين ) .وقام زعيما هذان الحزبان ، الحائزان على دعم شعبي واسع ، بزيارة المنطقة الكردية رفقة رئيس هيئة الأركان ، وأعلنوا رسميا " اعتراف تركيا بالواقع الكردي " وأثاروا إمكان اللجوء إلى حل على الطريقة الإسبانية ( في إحالة إلى المسألة الباسكية ) . لكن ذلك بقي كله حبرا على ورق. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المرحلة شهدت أوج نفوذ الحزب العمالي الكردستاني.لا بل شهد عيد رأس السنة الكردية ( النيروز ) بداية تمرد شعبي على شكل انتفاضة.
حاول بعض النواب الأكراد عند أداء اليمين بالبرلمان الحديث باللغة الكردية في المنصة فجرى تعنيفهم وإسكاتهم. وكان هذا الحدث رمزا لإقصائهم السياسي . وقاموا من جهة أخرى بعد بضعة أشهر بمغادرة SHP للالتحاق بحزب العمل الشعبي الذي حلته المحكمة الدستورية سنة 1993 وجرى استبداله بحزب الديمقراطية DEP ثم حلته ، سنة بعد ذلك تانسو شيلر وقد أصبحت وزيرا أولا مكان ديمريل ( الذي انتخب رئيسا للجمهورية بعد وفاة أوزال عام 1993 ) 4. وجرى طرد النواب DEP من البرلمان واعتقالهم ومحاكمتهم بتهمة " التواطؤ مع حزب العمال الكردستاني " .
وخلال الانتخابات البلدية عام 1994 التي شهدت مقاطعة الحركة القومية الكردية لها بدعوى " المناخ السياسي لم يكن ديمقراطيا " ( وهل كان كذلك يوما ما ؟ )، أصبح الإسلاميون القوة السياسية الأولى مكتسحين كل بلديات المنطقة تقريبا بعد أن كان ثالث قوة خلال انتخابات 1989. بينما تراجع الاشتراكيون الديمقراطيون من المقدمة عام 1989 إلى المرتبة الرابعة وراء الأحزاب اليمينية نفسها. هكذا، عكس سنوات 70، منح الأكراد أصواتهم للإسلاميين بدل اليسار. وبعبارة أخرى ، رغم انحدار اطر الحركة القومية من اليسار فإن الناخبين الأكراد يميلون جهة الإسلاميين الذين استقطبوا أصواتهم لأنهم الحزب الوحيد الذي لم يؤسس دعاوته على القومية الكردية .
الانتقال إلى الاستقلالية السياسية
عشية الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1995 ، كان HADEP ، المؤسس ( بضم الميم وفتح السين ) عقب حل DEP واثقا من الحصول على 16 في المائة من الأصوات متجاوزا بذلك دون عناء حاجز 10 بالمائة(الحد الأدنى للحصول على منتخبين) . لكن الواقع كان مغايرا تماما ، فرغم النتائج الجيدة في بعض المدن مثل ديار باكير ( قرابة 50 في المائة من الأصوات ) ومعدل 16 بالمائة من مجموع الأصوات بالمنطقة الكردية ، لم يتمكن HADEP من تجاوز 4.2 بالمائة على المستوى الوطني وبالتالي لم يحصل على أي نائب . حاول القوميون تفسير هذا الفشل بارتفاع عدد الناخبين غير المسجلين في اللوائح الانتخابية وبما رافق الحملة الانتخابية من ضغوط. لكن هذه الحجج لا تفسر الأمر كليا رغم ما قد تنطوي عليه من حقيقة.ف HADEP حصل على أفضل نتائجه في الدوائر التي شهدت أعنف قمع بينما نال أسوء النتائج في المدن الكبرى حيث انعدم القمع . وحصل في مدن عمالية ذات كثافة كردية قوية ، مثل إسطنبول وكوكيلي ، على نتائج تقل عن معدله الوطني . وحتى في معقله في دياركير ، كانت نتيجته تقل عما حصل عليه إبان تحالفه مع SHP عام 1991 . والواقع أن هجرة الأكراد إلى المدن الكبرى يطرح مشاكل اجتماعية جديدة يعجز الخطاب القومي بمفرده عن الإجابة عنها .
نحو انتخابات 18 ابريل 1999
منذ تأسيسه نظم ODP جملة أنشطة بتحالف مع HADEP. يمكن أن نذكر من بين أكثرها أهمية وجماهيرية حملة المهرجانات لأجل السلم والمظاهرات ضد المافيا ومظاهرة " لا الجيش ولا الإسلاميون " ( التي ضمت قرابة 35 ألف متظاهر باسطنبول ). تعتبر بعض القطاعات HADEP " حزبا شقيقا " لكن الالتقاء الفعلي معه ينحصر في مسألة النضال لأجل السلم وحدها ( أي ضد " الحرب القذرة " في المنطقة الكردية ). وما عدا ذلك ثمة خلافات جدية للغاية تبدأ من تقييم طبيعة الحزب الإسلامي وصولا إلى المسألة الاجتماعية. وإن كان ODP يتميز عن علمانية الدولة ذات النزعة اليعقوبية المفرطة ، بتأكيده على ضرورة احترام المعتقدات الدينية فإن HADEP يذهب أبعد من ذلك متملقا الحساسيات الإسلامية لقاعدته ( من جهة أخرى أدرج حزب العمال الكردستاني مؤخرا " حرية الدين " ضمن مطالبه الرئيسية السبع . راجع الملحق 6 ) ويعتبر مجموع العالم الإسلامي جزءا من " الإنسانية التقدمية " ).
لما وضع الجيش عام 1997 " الخطر الأصولي " على رأس " المخاطر المهددة للجمهورية " ( مقدما إياه على الخطر " الانفصالي " ) ونجح في انقلاب " دستوري " لإجبار حكومة أربكان وتشلير الإسلامية – القومية على الاستقالة ، ولد ذلك أوهاما في الأوساط القريبة من حزب العمال الكردستاني ، التي اعتقدت أن الجيش سينوب عن المدنيين وينجح حيث أخفقوا ، في إيجاد حل للمسالة الكردية . بعد ستة أشهر من سقوط حكومة أربكان صرح أوجلان لجريدة كردية Ulkede Gundem ( 01-فبراير -1999 ) أن الأطر العسكرية التي تخوض الحرب قررت تطوير خط سياسي جديد. ومن جهة أخرى أوضح مؤخرا أنه قام باتصالات مع الأركان العامة للجيش بواسطة ضباط وصحفيين أتراك.
تولي الحركة القومية أهمية بالغة لانتخابات 18 أبريل 99 . ورغم ادعاء HADEP في خطاباته العمومية أنه لن يجد عناء في تخطي عتبة 10 في المائة ، يبدو جليا أن هدفه الحقيقي هو الفوز بأكبر عدد من البلديات في المنطقة ( يجري انتخاب رئيس البلدية بالاقتراع الأحادي الاسمي وفي دورة واحدة ، فيكفي إذن تجاوز باقي الأحزاب حتى ولو ب 25 في المائة من الأصوات : هكذا مثلا فاز الإسلاميون في أنقرة واسطنبول مستفيدين من تشتت الخريطة السياسية ) . يأمل HADEP على هذا النحو استعادة البلديات المتخلى عنها للإسلاميين إبان مقاطعة انتخابات 1994 . والهدف هو كسب شرعية مؤسساتية وقانونية على المستوى الجهوي واستعمال ذلك رافعة للنضال السياسي لبعث إشارة قوية للرأي العام العالمي .
الضغـــوط الـــدولية
من جهته يراهن حزب العمال الكردستاني كثيرا على الضغوط الدبلوماسية على تركيا . وتعتبر الأوساط القريبة من حزب العمال الكردستاني ، أن السيرورة الجديدة التي بدأت بمغادرة أوجلان لدمشق جرى الشروع فيها كانفتاح جديد يتيح التوصل إلى حل . وحسب السيناريو سينقلب انتصار الجيش في الميدان هزيمة دبلوماسية لتركيا وانتصارا دبلوماسيا لحزب العمال الكردستاني في الساحة الدولية . والحال أنه لا أمل في نجاح هذا السيناريو سياسيا . ولا أذل على ذلك من أن أي بلد غربي لم يمنح أوجلان اللجوء السياسي ولا اعتبر حزب العمال الكردستاني مخاطبا رسميا.
لا يستحيل بالطبع أن تتمكن الحركة القومية من الانتقال إلى الهجوم على المستوى السياسي رغم تراجعها عسكريا. لكن وحدها الجماهير في الميدان كفيلة بذلك وليس ضغطا ما على الدولة التركية من قبل القوى الامبريالية كإيطاليا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية . وهاهي أمثلة العراق وإيران وصربيا ( وكوبا كنمط مغاير كليا) تبرز حدود قدرة الضغوط الامبريالية ( ولو بأقصى الوسائل ، مع حصار اقتصادي ودبلوماسي مستديم ومرفق بتدخلات عسكرية ) في التأثير على التطور السياسي الداخلي لبلدان أقل قوة من تركيا . وعلينا أن لا ننسى من جهة أخرى أن الحكومات الامبريالية تبين دوما في هذا المجال عن نفاق هائل : فهي تنتقد الحكومة التركية أمام الصحافة حول انتهاكات " حقوق الإنسان " وتصوت على مقررات طنانة حول المسألة الكردية بالبرلمان الأوربي وفي نفس الوقت تتسابق بشراسة لتنال من الحكومة التركية صفقات مربحة اقتصادية ، ولا سيما عسكرية ، ( خاصة الطائرات المروحية الفعالة للغاية في مواجهة حرب العصابات ؟ )
من جهة أخرى ثمة بعض الفروق بين مقاربة الاتحاد الأوروبي وتلك الخاصة بالولايات المتحدة حول هذه المسألة فقد حاولت الولايات المتحدة مرة أخرى ، قبل قصفها الأخير للعراق ، أن توحد الأكراد العراقيين " الذين أخفقوا في إقامة دولة - أمة رغم الفراغ السياسي القائم في شمال العراق "عبر محاولة تقريب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني لكل من البرازاني والطلباني مع دعم مشروط من تركيا ؟ ) لكن الأمريكيين يستعملون نفس لغة الأطروحة الرسمية التركية حول حزب العمال الكردستاني بنعثه " بالمنظمة الإرهابية " . والواقع أنهم لا يتجاوزون الدفاع عن منح الحقوق الثقافية للأكراد مع الالتزام بحدود عدم المس بحدود الدولة التركية. ويبدو أن الولايات المتحدة منشغلة أيضا باحتمال انزلاق الوضع في حالة تصفية أوجلان . وإن كان الاتحاد الأوروبي يتميز عن الولايات المتحدة بخصوص السياسة العراقية ، فإنه هو أيضا لا يؤيد تغييرا للحدود ويأمل معالجة المسألة الكردية من زاوية الحقوق الثقافية وحقوق الأقليات القومية .
لقيت بعض مواقف الأمريكان صدى سيئا في الدوائر العليا للدولة التركية لما صرح مثلا نائب كاتب الدولة Talbot في أكتوبر الأخير : " نحن كالعديد من الأتراك نرى أنه يستحيل حل المشاكل التي تدمر جنوب شرق هذا البلد بالوسائل العسكرية وحدها . فالحل المستديم للمسألة الكردية بتركيا رهين بإرادة الحكومة التركية تمتيع كافة مواطنيها بحقوق الإنسان " . وثمة موقف آخر لا بد من مراعاته رغم أنه شبه رسمي وهو صادر عن آلان ماكوفسكي الذي يقول : " إن احتمال إنشاء دولة كردية ذات يوم على جزء من تراب تركيا الحالي ضئيل جدا . لكن الممكن هو إيجاد حل سياسي يتيح لتركيا منح مزيد من الحقوق اللغوية والثقافية وقدرة أكبر على التعبير السياسي . لكن هذا يستلزم نموذج نظام يقبل هذه التعددية أو على نحو أقل رجحانا هذه الثنائية القومية . لكن هذا سيتطلب سنوات إن لم يكن عقودا." والواقع أن التعارض مع مواقف حزب العمال الكردستاني حول هذه النقطة ضئيل جدا ( راجع الملحق 6 ) . وتجدر الإشارة أيضا إلى أن " وثيقة السياسة القومية " التي صادق عليها مؤخرا مجلس الأمن القومي ( أعلى هيئة في الدولة التركية وهي ثنائية التكوين تضم أهم الوزراء إلى جانب أهم الجنرالات برئاسة رئيس الجمهورية) تنص على أنه " يجب اتخاذ إجراءات لتنمية الخصوصيات الجهوية والثقافية شرط ألا تتطاول على المجال العمومي " ويدافع رئيس الجمهورية ديمريل ( بموافقة أكيدة من الجيش ) على ضرورة الانتقال إلى نظام أقل تمركزا في إطاره " إصلاح شامل للدولة " ( وفق نموذج الجمهورية الرابعة الفرنسية ) . يكمن الفرق الجوهري ، كما أوضح أوجلان فور وصوله إلى روما (26نوفمبر98 ) في : أن حزب العمال الكردستاني يريد حوارا سياسيا بإشراف الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وبدعم دولي . لكن إلى أي حد يمكن تطوير هذا الحوار الأحادي بإشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي دون قبول تركيا له ؟ وكيف يراد فرضه عليها ؟ يكفي تتبع السياسة الخارجية الارادوية والنشيطة لتركيا في السنوات الأخيرة ، رغم الأزمات السياسية والحكومية المتتالية ، لإدراك استحالة حل هذه المسألة اعتمادا على ضغوط دولية فقط 5. لا سيما وأن هذا النوع من الضغوط يؤدي بالأحرى إلى نتائج عكسية ويعزز القطاعات الأشد رجعية والأكثر شوفينية من السكان والدولة مولدا شعور " أمة مضطهدة " لدى الأتراك .
سيفـــر و لـــوزان
يستدعي فهم هذه الظاهرة العودة إلى الأساطير المؤسسة لجمهورية تركيا واتفاق سيفر. هذا الأخير الذي نص على إحداث محتمل لكردستان مستقلة ودولة أرمينية في الجزء الشرقي من تركيا الحالية وكذا احتلال القسم الإيجي من طرف اليونان والجهة الشرقية من طرف فرنسا وايطاليا والبحر الأسود من طرف الانجليز ومراقبة اسطنبول ومضايق البوسفور من طرف الحلفاء ، هو اتفاق فرضته القوى الامبريالية الظافرة على الإمبراطورية العثمانية المهزومة في نهاية الحرب العالمية الأولى ( وبذلك كان مثيلا لاتفاق فرساي ) . نشأت تركيا الحالية عبر نضال قومي خاضته جيوش مصطفى كمال ( مدعوما بالسلطة البلشفية الفتية ) ضد هذا الاتفاق للحصول على الاستقلال والسيادة القومية اللذين منحا فيما بعد بموجب اتفاق لوزان 1924. تحالف الأكراد آنذاك مع الكماليين .
لكنهم فكوا التحالف منذ 1925 لما عاينوا قيام دولة – أمة بنبرات تركية تفرض من جهة أخرى علمانية يعقوبية تنسف سلطات الشيوخ الإسلاميين الأكراد . تعرضت مختلف الانتفاضات الكردية التي اندلعت فيما بين 1925 و1936 لقمع دموي من طرف السلطة الكمالية، التي استفادت منها أيضا لمنع النقابات والأحزاب اليسارية. هكذا فإن قسما واسعا من السكان الأتراك (ومنه اليسار الاشتراكي – الديمقراطي و الكمالي) تحيله فكرة"كردستان مستقلة مفروضة من الغرب " على تلك الأسطورة المؤسسة حول "النضال القومي ضد الامبريالية". ومن جهة أخرى يجعل منها القوميون والدولة الكردية دوما حجة حول موضوع " النضال ضد انبعاث سيفر " مستعملين لأجل ذلك مشاعر الحرمان إزاء أوروبا لدى السكان الذين يحسون باستبعادهم بدواع غير صحيحة من طرف أوروبا مسيحية وإمبراطورية ومتغطرسة. تلقى هذه الديماغوجية القومية للدولة التركية نفوذا لدى السكان ، بقدر ما أن وسائل الإعلام الغربية ( لا سيما لوموند الجدية للغاية ) تحيل إلى سيفر عند الحديث عن حل المسألة الكردية ويجري في أوساط الشتات الكردي بأوروبا التسلي أحيانا بذكرى سيفر" وقد استشعر أوجلان نفسه ضرورة تصحيح الأمر قائلا " لا يجب أن تشتكي تركيا من محاولة بعث سيفر فما نريده يطابق روح اتفاق لوزان . نحن نريد فقط دفع لوزان إلى الأمام . " ( سعيا منه لتقديم صورة " محترمة " بلغ أوجلان مستوى شتم أطر حزبه العسكرية ملقيا على ضباطه مسؤولية كل أنشطة حزب العمال الكردي غير المبررة 6 . لكن حتى مع هذا التصحيح لا يجب اعتقاد أن السكان ينتظرون بفارغ الصبر من يفرض عليهم من الخارج " اتفاق لوزان جديد " لا يمكن تغيير الأمر تغييرا فعليا إلا من الداخل وحده، عبر نضال مشترك بين العمال الأتراك والأكراد يدعمه تضامن أممي من عمال باقي العالم ( وليس من الحكومات الامبريالية ) . أبرزت كل استطلاعات الرأي في تركيا والتي نشرتها حتى الصحافة البرجوازية أن رجل الشارع لا يناصب أي عداء فعلي لحقوق الأكراد الثقافية و لإنهاء الحرب. فحتى أهم منظمات أرباب العمل ( البرجوازية الكبرى والمنشآت الصغيرة والمتوسطة ) وقسم لا يستهان به من الصحافة البرجوازية أيدوا إصلاحات ديمقراطية في هذا المجال . لكن هذه الحالة الذهنية لاتجد تعبيرا سياسيا. أما بعض نوايا الإصلاح المتذبذبة لدى بعض الساسة البرجوازيين اليمينيين كالوزراء الأولين السابقين شيلبر ويلماز ( الذين أشاروا إلى حلول على الطريقة الاسبانية ولبرلة القوانين المعادية للديمقراطية ) فقد اصطدمت سريعا بنسف من قبل " لوبي الحرب " أي تجار المخدرات والأسلحة الذين يعيشون من حالة الحرب القائمة في المنطقة ( المافيا ورجال البوليس الفاسدين وقسم من الجيش والساسة المحتالين التابعين لهم والفاشيين ) علاوة على أن " النزعة الإصلاحية " لهؤلاء الساسة اليمينيين أخفقت بوجه الوقائع السياسوية .
وفعلا استسلم دوما هذان الحزبان ANAP و DYP ن المتنافسان على زعامة اليمين لأسوء ديماغوجية قومية قصد الفوز بتأييد الناخبين الفاشيين لجمع .1 في المائة أو 02 في المائة من الأصوات الإضافية التي قد تمكنهم من التفوق . وهم من جهة أخرى متورطون بالكامل في علاقاتهم مع قطاعات المافيا. أما عن أحزاب " اليسار " فإن حزب الوزير الأول الحالي Eeevit تشكيلة شعبوية شوفينية ( من قبيل بازوك Pasok ) مشهورة بمواقفها المعادية للأكراد ، بينما الاشتراكيون – الديمقراطيون والكماليون في CHP وريث ( SHP ) الذين أنتجوا مع ذلك مشاريع إصلاحية ، هم حاليا على خط يميني جدا : يقدمون على كل شيء لتفادي حساسيات العسكر ( ساعين إلى كسب تأييدهم في مجال " النضال ضد الأصولية " ). أما الإسلاميون فإنهم يتملقون الناخبين الأكراد شرق البلاد وفي ضواحي المدن الكبرى لكنهم يصطادون في أراضي الفاشيين بمناطق نفوذهم في الأناضول الوسطى . ولم يترددوا من جهة أخرى في التصويت بالمصادقة على نزع الحصانة البرلمانية عن النواب الأكراد عام 1993 وخضعت حكومة أربكان كامل الخضوع لرغبات العسكر حول المسألة الكردية سنتي 1996- 1997 . أي بعبارة أخرى ، ليس العسكر "صقورا" أكثر من الساسة البرجوازيين في هذه المسألة ، جلي إذن أن ليس ثمة تلاؤم بين مطامح السكان ( بما فيهم البرجوازية والانتلجانسيا البرجوازية ) والسياسة التي تتهجها الأحزاب التي لا تطابق هي الأخرى بالكامل برنامج العسكر .
التضــــامن الأمـــــمي
كيف يمكن والحالة هذه ، تجسيد التضامن الاممي ؟ جلي أن " سياسة البهرجة " كالتي مارسها بعض النواب والصحافيين الاروبيين لما رفعوا مثلا صور أوجلان في ديرباكير ، خلال الاحتفال بالنيروز ، لا تعني شيئا في المجال السياسي . على العكس مايقوم به هؤلاء المغامرين الإعلاميين المتلهفين للأحاسيس القوية مضر لأنه ينسف تطور حركة السلم في تركيا . وفعلا فإن المهرجانات من أجل السلم التي تطورت تدريجيا منذ سنوات جرى اختزالها هذه السنة في مجرد حضور وفد أجنبي من هذا القبيل في ديار باكير ، ومن جراء ذلك تقلصت المشاركة الشعبية إلى أدنى مستوى لترهن بذلك نظيرها في السنة القادمة .
إن تنظيم مبادرة متسقة وحازمة لأجل تضامن مباشر مع السكان المحليين ، لا سيما في مجال حقوق الإنسان ، يتطلب طبعا جهودا أكبر من إشهار صور أوجلان ، لكنه جلي أن هذا المجهود ، الأقل إثارة وصخبا ، سيكون أكثر فعالية . ويتأتى أيضا تنظيم عمل مشترك بموازاة جملة مبادرات مدنية موجودة في القسم التركي. لكن الذين يحلون محل الحركات السياسية ( أو الذين يحسبون أنفسهم تكملة لها ) والذين يتسلون ، مثل قسم هام من المنظمات غير الحكومية ، بدور ملكي أكثر من الملك ، لا يقومون سوى بالمزيد من تقليص المجال السياسي للحركات المحلية وتعزيز دعاوة الدولة حول موضوع التدخل والمؤامرة العالمية
حصــــيلة أولــــية
في المقام الأول لابد من توضيح أن الحركة القومية بلغت في ظرف 15 سنة مستوى غير مرتقب، لاسيما فيما يخص بزوغ وعي قومي عززته، من بين عوامل أخرى، سياسة الميز التي تمارسها الدولة. لكن لا يجب من جهة أخرى نسيان أن الحركة القومية التي تعرف (بضم التاء) نفسها كحركة "للشرق الأوسط وتركيا وأوروبا" لا حظوظ كثيرة لها في الفعل المستقل تمام الاستقلال في ظل التعقيد السياسي لحدث متسع إلى هذه الدرجة . طبعا ليست الحركة القومية الكردية مجرد نتاج للتوازنات بالشرق الأوسط ولا طابورا خامسا لقوة أجنبية ( كما تزعم الدولة التركية ) ، لكن من الجلي أنها استفادت من ذلك التوازن الدقيق أحيانا وكانت ضحية له أحيانا أخرى . وكانت عاجزة عن فرض حلها الخاص . أما محاولات توافقها مع الدولة التركية ، لا سيما في عهد أوزال ، فقد فشلت . أما المطالب التي يقدمها اليوم حزب العمال الكردستاني ( ماعدا ربما مطلب الحكم الذاتي ) ، فإن الدولة التركية ليست في حاجة إلى مخاطب (بكسر الطاء) سياسي لتطبيقها .
طبعا كانت ثمة، بعد 15 سنة من النضال، مكاسب فعلية في جملة ميادين. لكن عكس ما جرى اعتقاده ، لم تتراكم القوى الضرورية لبلوغ "حل سياسي ديمقراطي " . ولم يكن ثمة تقدم بارز في الجزء " الغربي " من البلد ، لافقط لدى الأتراك بل أيضا لدى من يعيش من الأكراد ( الذين يمثلون مع ذلك نصف السكان الأكراد ) .من جهة أخرى كانت الحركة القومية ( لاسيما حزب العمال الكردستاني ) تسعى على الدوام إلى حل بالتفاوض مع الحكومة ( وخاصة مع العسكر ) ولذا لم تولي أية أهمية لتطوير حركة من أجل السلم في الجزء الغربي من البلد ( ماعدا كقوة مساعدة أو ملحق تابع بالكامل ) . اقتصرت سياسة الحركة القومية في هذا المجال على خلق " وحدات عمل " حصرا مع مجموعات صغيرة ممن تقبل هيمنتها والتي لا تتجاوز دعاوتها حدود حلقة الأنصار الخاصين بها . وبالمقابل تتقدم الحركة الاشتراكية على طريق توحيد قواها . وتحتل المسألة الكردية، إلى جانب النضال ضد الأصولية، مركز الأحداث السياسية. لكنه جلي أن نضالا فعالا في نفس الآن ضد السلفية وضد خطر انقلاب عسكري مع الدعوة إلى حل سياسي ديمقراطي للمسألة الكردية، أمر مستحيل دون كسب دعم أوسع الجماهير العمالية. ولن يتأتى كسب دعم العمال هذا دون الانطلاق من مشاكلهم ومطالبهم الخاصة.
يقتضي تغيير موازين القوى القائمة وتجاوز المأزق الحالي التخلي عن العمل ببرامج ذات بعد واحد، سواء انحصرت في السلم أو العلمانية أو الديمقراطية. يجب على العكس إقامة جسر صلب بين النضال الديمقراطي والنضال الاجتماعي وبذلك جر شرائح جديدة إلى النضال عبر القيام بنشاط سياسي شامل. تغدوا المشاكل المعتادة في علاقات الحركة الاشتراكية بالحركة القومية أكثر فأكثر جلاء بقدر ما تتطور الحركة الاشتراكية. إذا أصبحت الحركة الاشتراكية مجرد ذيل للحركة القومية فستنسف مصداقيتها الخاصة، لا بل ستصبح عاجزة عن تقديم إسهامها الخاص في النضال من أجل السلم.
أحيانا تمنح الحركة القومية لنفسها ، لا سيما حزب العمال الكردستاني الذي أضحى فاعلا لا مناص منه في المسألة القومية ، حق توجيه انتقادات اعتباطية وحتى شتائم للحركة الاشتراكية . وإزاء هذا يجب أن تكون الحركة الاشتراكية جذرية في انتقاداتها للحركة القومية بقدر ماهي جذرية في نضالها لأجل الحقوق القومية للشعب الكردي عبر الدفاع عن وحدة كافة عمال كل الأمم . هنا يكمن الفرق الأساسي بين خط ديمقراطي – برجوازي ( خط أصدقاء " حزب العمال الكردستاني" ) والأممية الحقيقية . إلا إذا عملنا بالحكمة الأبوية " الصالحة للشرق" التي مفادها أن الأكراد لا يستحقون أفضل وليسوا قادرين على فعل ماهو أفضل ، لكن الشعب الكردي سيتعرف على مناصريه .
اسطنبول 23 يناير 1999